يحيى بن معاذ الرازي
187
جواهر التصوف
* متاع الدنيا إمّا تاركك هو أو تاركه أنت ، ففيم العناء . . يقول أبو حازم : وجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين : شيئا منها يأتي أجله قبل أجلى فأغلب عليه ، وشيئا منها يأتي أجلى قبل أجله ، فأموت وأتركه لغيرى ؛ ففي أي هذين أعصى ربّى ؟ ! * واسترض ربّك قبل ملاقاته ؛ فإنه اليوم عمل ولا حساب ، وفي القبر حساب ولا عمل ، وعند الحساب يعاقب المرء أو يثاب . * وفي تعمير القبر والآخرة نكتفي بقصة سهل بن عبد اللّه التّسترى ، وقد ذهبت أمّه وإخوته يشكون إلى عبد اللّه بن المبارك من كثرة إنفاقه وأنه لا يدّخر شيئا ، وقالوا : نخشى عليه الفقر وحادثه ابن المبارك في مخاوف أهله فقال سهل : يا أبا عبد الرحمن ، أرأيت لو أن رجلا من أهل المدينة اشترى ضيعة بالضّواحى وبنى بوسطها بيتا ، وهو يريد أن يتحول من المدينة إليها ، أيخلف بالمدينة شيئا وهو يسكن في ضيعته ، وفهم ابن المبارك مقصوده فذهب إليهم قائلا : خصمكم يريد أن يتحول من الدنيا إلى الآخرة ، كيف يترك في الدنيا شيئا ؛ وقال الشاعر : إن للّه عبادا فطنا * طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلمّا علموا * أنّها ليست لحىّ وطنا جعلوها لجّة واتّخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا * * * 289 - « من لم يترك الدنيا اختيارا تتركه الدنيا إجبارا ؛ ومن لم تزل عنه نعمته في حياته ، زال عن نعمته بعد وفاته » [ الزهد الكبير : رقم 481 ] . * انظر تعليقنا على الحكمة السابقة . * * * 290 - « معاشر المريدين ، لا تطلبوا الدنيا ، فإن كان لا بد ، فاطلبوها ولا تريدوها ، فإن كان لا بد فأريدوها ولا تحبّوها ، فإن كان لا بد فأحبوها ولا تسكنوا إليها ، فإن الزاد منها والمقيل في غيرها . وقيل أراد الخالق خلق إبليس ولم يحبّ ذلك ، وأراد أن يخلق آدم ، وأحبّ ذلك ، والسّعيد مّن اجتمع فيه الإرادة والمحبة » [ علم القلوب : 194 ] . * يحذّرنا شيخنا من الرّكون إلى الدنيا بعد أن تجاوز بنا محطات الطلب لها ثم الإرادة ثم